نخبة من الأكاديميين

89

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

كثيراً إلى درجة أن أول إمارة صليبية قامت في الشرق كانت في الرها . فقد تحمس حاكمها المسن " ثوروس " Thoros للفرنج لدرجة أنه تبنى الأمير الصليبي بلدوين من إمارة اللورين الأدنى . وقد رد بلدوين " جميل " الحاكم الأرمنيثوروس هذا بأن سمح للمتآمرين ضد الحاكم المسن بأن يقتلوه . وصار بلدوين حاكم الإمارة الصليبية . وقد وجدت الجيوش الصليبية مساعدة كبيرة من الأرمن حسبما يروي المؤرخ الأرمني متى الرهاوي ( Matlieu des Eddesse ) ، وحسبما ذكر " فوشيه الشارتري " . وهناك شاعر أرمني يدعى سان نرسيس الرحيم ( Saint Nerses le Gracieux ) كتب مرثية بمناسبة سقوط الرها التي استعادها " عماد الدين زنكى " من الصليبيين ، هو وابنه نور الدين محمود سنة 1144 م ، بعد أن ظلت في أسرهم حوالي ستاً وأربعين سنة . وتعتبر قصيدة " سان نرسيس " الوثيقة الوحيدة التي تصف حصار الرها على أيدي جيش عماد الدين زنكي ؛ وهي من النوع الملحمي ، وتتألف من ألف وثلاث مئة وخمسين بيتًا . ويهمنا من هذه القصيدة الملحمية أن الشاعر جعلها على لسان المدينة التي تناشد الإخوة المسيحيين أن يهبوا لنجدتها أمام جبروت المسلمين الذين تنحاز القصيدة ضدهم في قسوة ، وتصفهم بأقبح صفات أبدعها الخيال الشرير الذي حكمته العداوة والكراهية الهيستيرية . وربما يمكن تفسير هاتين العداوة والكراهية في ضوء الصدمة الناجمة عن سقوط الرها ، أول إمارة صليبية ، وما كان يحمله هذا من نذير الشؤم والشر . ثمة شاعر آخر ابن شقيق نرسيس ، البطريرك " غريغوري الابن " ، كتب مرثية في بيت المقدس بعد تحريرها على أيدي المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي . وتقع في ألفين وثلاث مئة وأربعة وتسعين بيتًا . وهنا أيضًا نجد غريغوري ينشد على لسان المدينة المقدسة ، التي يجعلها تقول : " أنا القدس العتيقة عاصمة فلسطين ومركز العالم الرئيسي نقطة الدنيا الأساسية " ثم تبدأ القصيدة بالحديث عن صلاح الدين الأيوبي ، ومعركة حطين ، إلا أنها تخلط عن عمد ، وفي قسوة ، بين القائد المسلم المسيح الدجال . هذه الفكرة التي تخلط بين صلاح الدين الأيوبي والمسيح الدجال هي من أهم ملامح الصورة العدائية التي أفرزتها كتابات الكتاب المسيحيين الكاثوليك زمن الحروب الصليبية . ففي غرب أوروبا كان الشعراء ، ولا سيما الفرنسيون منهم ، قد تركوا لنا مجموعة من الأشعار والأغاني التي تصلح لأن تكون مقياسًا للفكرة الصليبية في الوجدان الأوروبي ، منذ بداية الوجود الصليبي على الأرض العربية وحتى نهايته هذه الأشعار والأغاني كانت نوعًا من القصائد التي تحمل ملامح التصورات الغربية لما كان يجري في ساحة الحروب الصليبية من جهة ، كما تحمل تصورات الشعراء لما كانت عليه أحوال أوروبا من